ساسي سالم الحاج
43
نقد الخطاب الاستشراقي
شبه الجزيرة العربية وهي مقتبسة من الأناجيل الموضوعة وغيرها من الكتب المشابهة « 1 » . وعند تعرّضه لتأثير « الحنفاء » على الدعوة الإسلامية فإن وات يقلّل من دورهم ، ووصفهم بأنهم لم يكونوا حركة منظمة للتوحيد ولكنهم كانوا يبحثون عن عقيدة جديدة خاصة أن هناك عددا كبيرا من الناس في مكة أحسّوا بالفراغ فأخذوا يبحثون عن شيء يرضي أعماق حاجاتهم « 2 » . وأخيرا اختتم « وات » بحثه المتعلق بظهور النزعات التوحيدية قبل الدعوة المحمدية بقوله : إن فكرة « اللّه » قد تسربت إلى التفكير العربي بعمق حتى إنهم يرون إذا فعلوا فاحشة قالوا : إنهم وجدوا آباءهم عليها وإن اللّه أمرهم بها . كما أن فكرة النبوة قد عرفت لديهم بدليل وجود أنبياء آخرين سابقين للرسول العربي مثل هود وصالح وغيرهما ، وأن هذه الأمور جميعها قد ساعدت محمدا على إعداد نفسه وبيئته لتبليغ رسالته بالرغم من أنه ليس من الضروري البتّ في مشكلة الأهمية النسبية للتأثيرات اليهودية المسيحية في دراسة حياة محمد . وبعد أن عرضنا عليك آراء المستشرقين حول الحياة السياسية والإدارية والدينية للعرب قبل الإسلام ، فإننا نود أن نرد على بعض الهنات التي لازمت كتاباتهم والتي حاولوا من خلالها ليّ رقبة التاريخ لتنسجم وما يفترضونه مسبقا بأن الدعوة المحمدية الإسلامية كانت نتاج تلك الحياة ، وأنها نتيجة حتمية لتلك الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية التي مرّ بها العرب الجاهليون . ونؤكد منذ البداية أن موقع مكة الجغرافي لم يكن صالحا للزراعة ولكنه كان صالحا للتجارة لأنها تعتبر نقطة تجمّع القوافل القادمة من جنوب الجزيرة العربية إلى الشام والعكس . ثم زاول أهلها التجارة بأنفسهم فأصبحوا أداة وصل تجاري بين الشمال والجنوب باعتبارهم وسطاء لأن أرضهم لا تنتج شيئا صالحا للتصدير ، ومن هنا كان قول « وات » : إنهم سيطروا على حركة النقل في الطرق المهمة التي تربط اليمن ببلاد الشام وبالعراق . ومما زاد في أهمية مكة وجود « الكعبة » بها والتي يؤمها الناس للحج منذ تأسيسها
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 59 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 59 .